تصريحات عبد الواحد السويح لجريدة الشروق في حوار خاص
حوار الشاعر الجميل عبد الواحد السويح و نور الدين بالطيب جريدة الشروق اليوم
كيف ترى المشهد الشعري اليوم في تونس ؟
مشهد مخيف حقّا محكوم بالتّراكم دون وعي بضرورة التّأسيس لمشروع معيّن في الكتابة الشعرية. تتعدّد الإصدارات بطريقة مشابهة، نفس العناوين، نفس طريقة الطبع، غلاف سخيف ومحتوى مُكرر تشوبُه الأخطاء اللّغويّة والصور الشعرية المهترئة.
ثمّة شعراء لا يجيدون السّرقة لكنّهم يصدّقون ما يأخذونه ويتمادون وثمة شاعرات بدأن مرحلتهن مع الكتابة مع انقطاع حيضهن.
أغلب دور النشر تمارس السّرقة لكنّ رؤساءها لصوص أغبياء تقتصر استراتيجياتهم على تعويض تكاليف الكتاب وضمان بعض الرّبح المادي دون التفكير في جودة النص أو الاستعداد للتّسويق الجيد له لذلك فإنّ معظمهم لا ينظر مطلقا في محتوى الكتاب وليست له لجنة قراءة أو لجنة استشارة.
المشهد الشعري في تونس يعاني من غياب النقد العلمي فلا نظفر في الغالب إلا بالنقد الإخواني الذي تسيطر عليه العلاقات والمصالح. هناك استثناءات لكنها غير كافية تعوزها روح المغامرة والقدرة على التحدي.
نحن الشعراء يكبّلنا الغرور والاعتقاد السخيف أننا أرباب الشعر ويعود هذا السبب لقلة اطّلاعنا على المنجز الشعري في سائر بلدان العالم. هذه الأيام اكتشفت ان في ليبيا شعراء مختلفين وتجارب شعرية مميزة في قصيدة النثر. يحدث ذلك بليبيا المجاورة لنا فما بالك بالبلدان الأخرى.
تونس بلد يعجّ بأسماء شعرية محترمة لكن لا شيء يجمعها ولا حركة نقدية تتابع منجزها وهذا مؤسف حقا.
عدد كبير من الشعراء أتجهوا نحو الرواية هل راودتك الكتابة الروائية يوما ؟
أول كتاب نشرته كان مجموعة قصصية "فوقي بحر وتحتي بحر" لكنني انحرفت عن تلك التجربة استجابة لنداء الشعر فيَّ. ومنذ أكثر من عشرين سنة شرعت في كتابة رواية لم تكتمل إلى حد الآنَ.
المسألة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين:
زاوية تجارية تستجيب لمنطق "السوق" على اعتبار أن الرواية تُباع أكثر من الشعر، دون أن ننسى ما يحدث حاليا من انصراف الشعراء إلى العمل الروائي قصد المشاركة في المسابقات لنيل الجوائز.
وزاوية إبداعية تندرج ضمن توق الشاعر إلى اقتحام فضاءات أخرى في إطار التنويع في الكتابة والبحث الدائم عن أشكال أخرى يفضي فيها بما يعتمل داخله من فيض.
الأمر يختلف معي ولن أمارس الكتابة مطلقا بحثا عن جائزة. هناك شعراء نجحوا في الجمع بين الشعر والرواية وهناك آخرون بفضل ذكائهم وحرفيتهم استطاعوا أن يجعلوا المتقبل غير متفطّن إلى غياب روح الرواية لديهم مثلهم في ذلك كمثل وردة اصطناعية يصعب على الرّائي التفطن إلى حقيقتها من غير لمس أو شمّ.
أنا بصدد إتمام مشروعي الشعري ولحظة أدرك أنه لم يعد بإمكاني الإضافة قد أطرق بتواضع باب الرواية.
تكتب قصيدة النثر كيف ترى واقع قصيدة النثر في تونس؟
قصيدة النثر مشكلة المشاكل بتونس أو خارجها. فهي الحمار القصير الذي يسهل ركوبه، وهي ملجأ كل الذين فشلوا في النظم وهي أيضا باب طريف يفتح مصراعيه على السرقات "المضمونة"
عدد شعراء قصيدة النثر في تونس الذين أعرفهم بالمئات لكن قائمتي لا تتجاوز عشرين شاعرا. فقليل جدا من شعراء تونس من فهم "لعبة" قصيدة النثر ومن أدرك صعوبة إنجازها ومن فهم أن إتقانها يضاهي آلاف المرات إتقان النظم. هناك أصوات بلغت درجة من النضج وهناك أصوات مازالت تتجول في نفس المساحة التي انطلقت منها. بعضهم يمتلك الموهبة وبعضهم يتقن الصنعة ومن النادر أن نجد شاعرا يجمع بين الأمرين.
عشت تجربة الترجمة ماذا أضافت إليك؟
الترجمة تجربة مختلفة تتطلب آليات مخصوصة. وان يتقن المترجم اللغتين، غير كاف بالمرة كي يكون مترجما خصوصا إذا تعلق الأمر بترجمة الشعر.
حين وجدت نفسي إزاء قصائد الشاعرة الألمانية فرانسيسكا ريسنسكي مطالبا بترجمتها، لم أكترث كثيرا بادىء الأمر لكن سرعان ما أيقنت أني أمام حرب حقيقية. يقولون إن الترجمة خيانة ولكنهم لا يدركون أن الخيانة ليست للنص الأصلي في حد ذاته بقدر ما هي خيانة للذات المترجِمة.
إن شرط الوفاء يجعلني كممثل بارع يجيد تجسيد الشخصية ويحيا انفعالاتها وهذا ما دمّرني. كان لا بد لي من تقمص شخصية الشاعرة ومن الاستعاضة عن رؤيتي برؤيتها وعن دهشتي بدهشتها وعن مأساتي بمأساتها وهذا أمر مرهق حقا لكنه ممتع أيضا يجعلك تنفتح على رؤى جديدة ويدفعك إلى التحليق في فضاءات أرحب لذلك ازددت اقتناعا بأن الشعر لا يجيد ترجمته إلا الشاعر.
الترجمة في مسيرتي إضافة نوعية وخطوة صحيحة في اتجاه العالمية.
كيف تنظر إلى المنجز الشعري التونسي وهل تؤمن بالأجيال؟
سبق أن تحدثت كثيرا عن المنجز الشعري التونسي وإحقاقا للحق انا فخور جدا بما أنجزه الرواد، الشابي خاصة وَمنور صمادح وبما حققته حركة الطليعة ثم جيل التسعينات. فخور أيضا بما تنجزه "حركة النص" وبالمجهود الخرافي الذي يقوم به الشاعر عبد الفتاح بن حمودة على رأسها. أشعر بسعادة بالغة كلما فاز أحد التونسيين في مسابقة عربية وأتابع بكل حب الحفر المتواصل للأصوات اللامعة الآن التي لن أذكر بعضها خشية أن أنسى من هو جدير بالذكر.
قصيدة النثر التونسية الان سافرت بعيدا وحلقت في مناطق لم تكن يوما مأهولة واستطاعت أن تلفت إليها الأعناق. وعموما، فإن الشعر يختار المجتهدين لا غير لذلك فمن الطبيعي أن يموت "الكبار" ليفسح المجال للشباب. في تونس لنا العديد من الشعراء الذين ماتوا شعريا لكنهم لا يستسلمون بسهولة ولا يعترفون بموتهم بل إنهم يسعون بشتى الوسائل إلى إلغاء الشباب مستخفين بتجاربهم لكن محاولاتهم هذه لن تجدي نفعا أمام التحولات الجديدة في القصيدة والتغييرات العميقة التي ذهبت بالشعر بعيدا بعيدا.
لا نراك في ملتقيات شعرية لماذا ؟
الملتقيات عديدة في تونس وأزعم أني من المحظوظين عموما لأن أهمها دُعيت إليها. ربما كان قصدك الملتقيات المدعومة من اتحاد الكتاب، فهذه محظور منها وكل من يفكر بدعوتي يُحرم من الدعم المالي. كنت رئيس فرع اتحاد الكتاب بالمنستير وعانيت الأمرين من الحمايدي وزمرته ولن أعود إلى هذا الهيكل بتركيبته الحالية.
اما الملتقيات الإخوانية فإني أرفض رفضا قاطعا الاستجابة لدعواتها ونفس الأمر مع دعوات بعض دور الثقافة وبعض الجمعيات التي لا تحترم مكانة الشاعر.
أستجيب للملتقيات بشروط ولست مغرورا ولا ماديا ولكني أحترم نصي.
على مستوى دولي أبدو ربما أكثر حظا فبفضل الشعر والنقد زرت المغرب ثلاث مرات والجزائر والعراق وإيران ورفضت دعوتين من فرنسا ودعوتين ثانيتين من إيران لأسباب خاصة.
ما يحزنني حقا أني معروف في العالم أكثر من تونس فقصائدي ترجمت إلي الفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية واليونانية والرومانية والأنكليزية والكردية
ونشرت في أعرق المجلات الورقية العالمية، ولكن ربما بعدي عن العاصمة والتهميش الإعلامي من الأسباب التي حالت دون أن أنال ما أنا جدير به.


